الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
144
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الحد ثابت قبل نزول الآية بحسب ظاهر ترتيب الآي في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ [ النور : 4 ] الآية لجواز أنه لم تحدث قضية قذف فيما بين نزول تلك الآية ونزول هذه الآية ، أو حدثت قضية عويمر العجلاني ولم يعلم بها أصحاب الإفك ، أو حسبوه هيّنا لغفلتهم عما تقدم من حكم الحد إذ كان العهد به حديثا . وفيه من أدب الشريعة أن احترام القوانين الشرعية يجب أن يكون سواء في الغيبة والحضرة والسرّ والعلانية . ومعنى : عِنْدَ اللَّهِ في علم اللّه مما شرعه لكم من الحكم كما تقدم آنفا في قوله تعالى : فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ [ النور : 13 ] . [ 16 ] [ سورة النور ( 24 ) : آية 16 ] وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ( 16 ) عطف على جملة : لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ [ النور : 12 ] إلخ . وأعيدت ( لولا ) وشرطها وجوابها لزيادة الاهتمام بالجملة فلذلك لم يعطف قُلْتُمْ الذي في هذه الجملة على قُلْتُمْ الذي في الجملة قبلها لقصد أن يكون صريحا في عطف الجمل . وتقديم الظرف وهو إِذْ سَمِعْتُمُوهُ على عامله وهو قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا كتقديم نظيره في قوله : لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ [ النور : 12 ] إلخ وهو الاهتمام بمدلول الظرف . وضمير سَمِعْتُمُوهُ عائد إلى الإفك مثل الضمائر المماثلة له في الآيات السابقة . واسم الإشارة عائد إلى الإفك بما يشتمل عليه من الاختلاق الذي يتحدث به المنافقون والضعفاء ، فالإشارة إلى ما هو حاضر في كل مجلس من مجالس سماع الإفك . ومعنى قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أن يقولوا للذين أخبروهم بهذا الخبر الآفك . أي قلتم لهم زجرا وموعظة . وضمير لَنا مراد به القائلون والمخاطبون . فأما المخاطبون فلأنهم تكلموا به حين حدثوهم بخبر الإفك . والمعنى : ما يكون لكم أن تتكلموا بهذا ، وأما المتكلمون فلتنزههم من أن يجري ذلك البهتان على ألسنتهم . وإنما قال : ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا دون أن يقول : ليس لنا أن نتكلم بهذا ،